الوسواس القهري
تعريف الوسواس القهري وطبيعته النفسية
الوسواس القهري مرض نفسي معروف، يُصاب به الإنسان من غير إرادة ولا اختيار، وهو كسائر الأمراض الجسمية والنفسية يُعد ابتلاء يؤجر العبد على صبره عليه، ويُندب للعبد أن يطلب التداوي منه؛ فما أنزل الله من داء إلا وله دواء.
التداخل بين المفهوم الطبي والوسواس النفسي
وقد أدى استعمال كلمة "الوسواس" في التعبير عن هذا المرض، إلى تداخله مع الوسواس الذي يكون من النفس ومن الشيطان، والذي يشترك مع "الوسواس القهري" أيضا في أن بدايته لا تكون باختيار الإنسان، ويختلف عنه من ناحية أن الوسواس القهري له أسباب عضوية، كما أن له معدلات تكرار وضغط وقهر، أعنف بكثير من الآخر.
الخلل في فهم "الوسواس" وأخطاء المعالجة
ويبدو أن هذا الاشتراك "المصطلحي" في التعبير عن المفهومين، هو أحد أهم أسباب الخلل في فهم الوسواس القهري، واختلاط المقصود به مع الوسواس الشيطاني، مما استتبع بعض الأخطاء في المعالجة، واستتبع أيضًا لوم المرضى لأنفسهم، واعتقادهم أن ما هم فيه ناشيء من ضعف الإيمان.
الاستحواذ القهري: مقترح الدكتور وائل أبو هندي
لأجل ذلك اقترح بعض المتخصصين، مثل الدكتور وائل أبو هندي، تغيير كلمة الوسواس هنا، وتسمية المرض: الاستحواذ القهري، ينظر كتابه: "الوسواس القهري" (ص/18) وما بعدها.
الوسواس القهري: بين المنشأ البيولوجي ووسوسة الشيطان)
هل يعني هذا أنه لا دخل للشيطان في حدوث الوسواس القهري؟
لا. ما زال هناك احتمال لعلاقة الشيطان بنشأة مرض الوسواس القهري، لكن لا أثر لذلك أيضا في إيمان المريض، ولا ثوابه وعقابه على نفس المرض، كما أن دم "الاستحاضة" مسألة "بيولوجية" محضة، لا مدخل لها في إيمان صاحبها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، إنه : ( رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ) [ حديث حسن، رواه الترمذي (128) وغيره ]؛ لكن المقصود أن هناك أسبابا وراثية وبيولوجية وبيئية للمرض، تؤدي لاختلاف طبيعته عن طبيعة الوسواس الشيطاني التقليدي، بما يؤدي لاختلاف طرق الفهم والمعالجة.
مقترح لك من القرماني إكس:
جاري البحث عن محتوى مميز لك...ولكي يتجلى الكلام حول الوسواس القهري وطرق التعامل معه سننظم الجواب في العناصر التالية:
أولًا: الوسواس
مفهوم الوسواس في اللغة والاصطلاح
الوسواس في لغة العرب:
قال ابن فارس: "الواو والسين: كلمة تدل على صوت غير رفيع. يقال لصوت الحلي: وسواس. وهمس الصائد وسواس. وإغواء الشيطان ابنَ آدم: وسواس" [1] .
وأيضا فإن الوسوسة هي الخَطْرة الرديئة، قال تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [الأعراف: 20].
والوسواس هو الهمس الخفي [3] ، وفي القرآن: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: 16].
ورجل موسوِس: إذا غلبت عليه الوسوسة.
ويطلق الوسواس على الشيطان نفسه، من باب: إطلاق المصدر على الفاعل، فيصبح أحد أسمائه كما قال تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: 4، 5] [4] .
الأسئلة الشائعة حول مفهوم الوسواس (AQX)
ما هو أصل كلمة وسوسة في اللغة؟
هي كلمة تدل على الصوت الخفي غير الرفيع، مثل صوت الحلي أو همس الصائد.
هل يؤثر الوسواس القهري على إيمان الشخص؟
لا، المرض مسألة بيولوجية محضة لا علاقة لها بإيمان المريض أو ثوابه وعقابه.
سؤال تفاعلي لجمهور القرماني X:
بعد معرفة الأصل اللغوي للوسواس.. هل كنت تعلم أن "صوت الحلي" يسمى وسواساً في لغتنا الجميلة؟ شاركنا رأيك!
رواق القرماني - Alqurmani X | AQX 2026
الوسواس في الاصطلاح:
هو حديث النفس أو الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير [5] .
أهم الأحاديث النبوية الواردة في وصف الوسواس.
يمكن تصنيف هذه الأحاديث إلى عدة فئات من حيث تناولها للوسواس:
1- أحاديث تصف وسوسة الشيطان الإنسان ليفعل المعصية:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: إن للشَّيطانِ للمَّةً بابنِ آدمَ، ولِلمَلك لَمَّةٌ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ: فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ، فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ. فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ، فليحمَدِ اللَّهَ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوَّذ منَ الشَّيطانِ. ثمَّ قرأَ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268] الآيةَ) أخرجه الترمذي(2988)، والنسائي في "السنن الكبرى" (11051)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (1/325)
بشارات نبوية للمبتلين
2- أحاديث تثبت صحة الإيمان لمن عانى من الوسواس:
1) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء ناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ذاك صريح الإيمان) أخرجه مسلم (132).
والمعنى: أنهم يجدون في أنفسهم كلاما سيئا عن الدين أو الإله، ولا يتجرؤون على التعبير عنه، ولعله هو الكلام المفسر في الحديث الذي سيأتي بعد ذلك أنه كلام عمن خلق الله.
2) حديث عبد الله بن مسعود: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، قال: (تلك محض الإيمان) أخرجه مسلم (133).
3- أحاديث ترفع المؤاخذة عن حديث النفس والوسوسة:
1- إن الله تجاوز لأمتي عما توسوِس به صدورها، ما لم تعمل به، أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه "صحيح ابن ماجه" (1676).
4- أحاديث تنسب الوسواس إلى الشيطان:
1) حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه، يُعَرِّضُ بالشيء، لَأن يكون حُمَمَة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) "صحيح سنن أبي داود" (5112).
2) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط حتى لا يُسمع صوته. فإذا سكت، رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يُسمع صوتُه، فإذا سكت رجع فوسوس أخرجه مسلم (389).
5- أحاديث تقدم علاجا عمليا منها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:
1) روى مسلم (2203): أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفُل على يسارك ثلاثا) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.
2) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله ولينتَهِ أخرجه البخاري (3276)، ومسلم (134).
3) وفي الحديث: يوشك الناس يتساءلون، حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذْ من الشيطان "صحيح الجامع" (8182).
6- أحاديث تقدم علاجا عمليا سلوكيًا للوسواس دون الأمر بالاستعاذة من الشيطان:
1) حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال الناسُ يتساءلون، حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله صحيح سنن أبي داود (4721).
2) أن عبد الله بن زيد شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجلُ الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: (لا ينفتل –أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا أخرجه البخاري (177) [6] .
وقفة مع دلالات أحاديث الوسواس
وعند تأمل هذه الأحاديث نجد أنها تصف نوعين أساسيين من الوسواس:
الأول: الوسواس الذي يدعو الإنسان إلى أن ينظر أو يفعل أو يستمع إلى شيء محرم. وهذا النوع من الوسواس من طبيعة النفس البشرية، ويدخل للنفس من جهة هواها، وما تشتهيه وتطلبه. وهذا الوسواس ليس صادرا عن خلل بيولوجي، ولا هو مرض في حد ذاته، ومن المفهوم أن يصيب النفوس البشرية قاطبة، دون الاقتصار على تصنيف مرضي خاص للشخص الذي يبتلى به.
والاستجابة لهذا النوع من الوساوس هي التي تُعرِّض الإنسانَ للحساب والجزاء من الله.
ومصدر هذا الوسواس يأتي من ثلاث: النفس الأمارة بالسوء، وشياطين الجن، ومثلهم من الإنس، لكن وساوس الإنس تكون كلامًا مسموعًا وليست خطرات في النفس والعقل.
الثاني: الوسواس بمعنى الشك العابر (الذي ليس عادة منتظمة)، الذي يأتي في الأمور الدينية والحياتية، فيشكك الإنسان في أصل إيمانه أو وضوئه وصلاته وصديقه وقريبه الخ، ومثل عدم التعقل (الخشوع) في الصلاة.
وهذا الوسواس لا يدعو النفس إلى ما تحبه، لكنه يريد إدخال الريب والشك على الإنسان، سواء كان تشكيكًا فيما يعتقده الإنسان إيمانا، أو في فعل هل فعله أم لم يفعله، أو يكون غرض الوسواس أن يشغل النفس عن الأمور المطلوبة منها ولها.
وهذا الوسواس يمكن أن يزول على الفور بالاستعاذة بالله من الشيطان، ومن خلال تذكر أن هذه الأفكار لا دليل عليها، فيوقفها بالاجتهاد مع النفس والحزم معها.
ومصدر هذا الوسواس هو الشيطان، ويَحتمل أن يكون بعضه من حديث النفس.
وقد نص علماء المسلمين على التفرقة بين هذا الوسواس العارض، وبين النوع الآخر الذي توصل الطب الحديث إلى تسميته بالوسواس القهري.
قال الحطّاب -رحمه الله- في "مواهب الجليل" (2/466): "المُسْتَنْكِح: هو الذي يشُكُّ في كل وضوء، أو صلاة، أو يطرأ له ذلك في اليوم مرة أو مرتين، وإن لم يطرأ له ذلك إلا بعد يومين أو ثلاثة: فليس بمستنكح" انتهى.
ثانيًا: الوسواس القهري
1- حقيقة مرض الوسواس القهري:
(Obssessive Comulsive Disorder- OCD)
في كتاب البندول للدكتور محمد الشامي: "الوسواس القهري هو سيطرة فكرة محددة، تفرض نفسها على صاحبها بإلحاح لا يمكن التغلب عليه. فهي فكرة غريبة على تفكير الشخص، ويعلم أنها ليست منه، وأنها غير صحيحة بالنسبة له، وغير مقنعة. وتكون مصحوبة عادة بالخوف والقلق بسبب وجودها نفسها، أو من توابعها، لكنه لا يستطيع طردها من دماغه، بل تظل تتردد في دماغه حتى تعطله عن حياته اليومية، ثم تقهره لفعل أفعال قهرية، ظنا منه أن هذه الأفعال ستقلل من حدة هذا الوسواس، لكن في الواقع فإن الوسواس يزيد مع الوقت" [7] .
يعرف الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية الخامس (DSM 5) (والمعتمد في الأوساط الطبية على مستوى العالم) هذا الاضطراب باحتوائه على كل من:
1) وجود إما وساوس، أو أفعال قهرية، أو كلاهما:
- أ) أفكار، أو اندفاعات، أو صور متكررة وثابتة، تُعتبر في وقت ما، أثناء الاضطراب، مقتحمة، متطفلة، وغير مرغوبة، وتسبب عند معظم الأفراد قلقًا أو إحباطًا ملحوظًا.
- ب) يحاول المصاب تجاهل أو قمع مثل هذه الأفكار أو الاندفاعات أو الصور، أو تحييدها بأفكار، أو أفعال أخرى (أي بأداء فعل قهري).
تعرف الأفعال القهرية بصفتين:
- أ) سلوكيات متكررة (مثل: غسل اليدين، الترتيب، التحقق) أو أفعال عقلية (مثل: القراءة في الصلاة، العد، تكرار الكلمات بصمت)، والتي يشعر المريض أنه مُساق لأدائها استجابة لوسواس، أو وفقًا لقواعد ينبغي تطبيقها بصرامة.
- ب) تهدف السلوكيات أو الأفعال العقلية إلى منع أو تقليل الإحباط أو القلق، أو منع حادث أو موقف فظيع، إلا أن هذه السلوكيات أو الأفعال العقلية: إما أنها ليست واقعية بما هي مصممة له لتحييدها أو منعها، أو أنها مفرطة.
2) تكون الوساوس والأفعال القهرية مستهلكة للوقت (تستغرق أكثر من ساعة يوميًا مثلا)، أو تسبب إحباطًا شديدًا، أو ضعفًا في أداء المجالات الاجتماعية والمهنية، أو غيرها من مجالات الأداء الهامة الأخرى [8] .
ويلخص الدكتور وائل أبو هنيدي (الوسواس القهري من منظور عربي إسلامي ص/19) شروط الفكرة التي تعد بها وسواسًا قهريًا فيما يلي:
- • أن يشعر المريض أن الفكرة تحشر نفسها في وعيه، وتفرض نفسها على تفكيره رغمًا عنه، لكنها مع ذلك تنشأ من رأسه هو، وليست بفعل مؤثر خارجي.
- • أن يوقن المريض تفاهة، أو لا معقولية الفكرة، وعدم صحتها، وعدم جدارتها بالاهتمام.
- • محاولة المريض المستمرة لمقاومة الفكرة، وعدم الاستسلام لها.
- • إحساس المريض بسيطرة هذه الفكرة، وقوتها القهرية عليه؛ فكلما قاومها زادت إلحاحًا عليه فيقع في دوامة من التكرار الذي لا ينتهي.
تاريخ التسمية
مدى الانتشار
2- أنواع الوسواس القهري
الوسواس القهري له أشكال مختلفة تتنوع تنوعا كبيرا، وتشترك كلها في أن هناك فكرة محددة تسيطر على تفكير الإنسان، ولا يستطيع مقاومتها، فتقهره لتنفيذ فعل معين. يصعب حصر كل أنواع الوسواس هنا، لكن يمكن ذكر أشهر أنواعه:
أ) وسواس النظافة والطهارة:
والذي يُشعر المريض بأن جزءا من جسمه (اليدين عادة) غير نظيف، فيغسلها، ثم يشعر بنفس إحساس عدم النظافة، فيدخل مرة أخرى ليغسلها، وتستمر الفكرة ويتكرر الفعل مرات عديدة. وربما ظل يغسلها لمدة ساعة كل مرة، حتى يتأثر جلد اليدين ويتهتك. كما أنه يكرر عملية الاستحمام مرات كثيرة، وكل مرة تكون مدة الاستحمام طويلة تصل إلى ساعة أو ساعات، بسبب الشك في عدم غسل كل مكان في جسمه جيدا جدا. وعلى الرغم من استغراب المريض للفكرة المزعجة، لكنه مع الوقت يبرر ذلك بأنه يشعر أن شيئا ما أثر على نظافته، أو أن عملية التنظيف التي فعلها لم تكن كافية فيكررها، ولا يقتنع مهما كانت شدة وقوة عملية الغسل الواحدة.
ويشمل ذلك أيضا عملية التطهير للوقاية من الفيروسات والبكتيريا –والتي شوهدت بشكل كبير في أثناء جائحة كورونا التي بدأت سنة 2020 م-، فعملية التطهير لا تتوقف حتى وصلت للوسوسة أن أي شيء يمكن أن ينقل المرض إليه. وقد يصل الأمر بمريض وسواس النظافة أن لا يخرج من منزله إلا في الضرورة القصوى، خشية من الدخول في الطقوس المتكررة المزعجة المتعبة التي يمارسها كلما خرج وعاد إلى المنزل.
ومن صور هذا الوسواس أيضا: تقزز المرأة بشكل مبالغ فيه من نفسها في أيام الدورة الشهرية فتغسل ثيابها التي تلبسها كل يوم، مع غسل أغطية السرير والكراسي التي استخدمتها، على الرغم من استخدامها المفرط للحفاظات (الفوط الصحية)، وتتقزز أيضا من النساء الأخريات في نفس هذه الأيام، لدرجة منعهن من الجلوس على سريرها أو كرسيها أو استخدام حمامها الخاص، وتتجنب المرور في الشارع بالقرب من أماكن النفايات خوفا من أن يكون فيها حفاظات نسائية مستخدمة وملقاة في القمامة.
وعند الرجال، يأتي الوسواس في صور قطرات البول القليلة التي تنزل بعد التبول –ويسمى بسلس البول-، فنجد الموسوس كثير المحاولة لتنزيل كل ما فيه من البول بطرق كثيرة –مثل الكحّ المتكرر والتدليك العنيف- ويطيل الوقت أكثر من اللازم في عملية التطهر والاستنجاء.
ب) وسواس الصلاة:
ج) وسواس الأفكار الدينية:
مثل الأفكار والعبارات المسيئة لله عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الدين أو القرآن. وهذه الأفكار تُحدث إزعاجا شديدا للشخص، بسبب أنه يشعر أنه قد خرج من الدين بسبب هذه الأفكار التي لا يقتنع بها، لكنه لا يستطيع طردها. ويمكن أن يظل يكرر الشهادتين مرات باعتبار أنه قد خرج من الدين ويحتاج أن يدخل في الدين من جديد.
وهذه الأفكار تختلف تماما عن أفكار الإلحاد التي يفكر فيها الشخص من باب الشبهة، وليس من باب الرفض ومحاولة الطرد كما يحدث في حالة الوسواس القهري. ومن الملفت للانتباه أن أغلب الذين يعانون من هذا الوسواس، هم من الأشخاص الذين لديهم حرص على الالتزام بالدين.
د) وسواس الأفعال الدينية:
مثل التشدد والتنطع في مخارج الحروف أثناء الكلام أو قراءة القرآن بما يزيد عن المقدار الطبيعي للكلام والتجويد. وكذلك الوسوسة عند الرجال المتزوجين إذا كانوا قد طلقوا زوجاتهم دون قصد، والوسوسة في طهارة الماء الموجود في الشارع بدون علامة لنجاسته، وهل تم التسمية على الحيوان المذبوح أم لا، وغيره.
وعند المسيحيين يأتي في صورة تكرار الاعتراف في الكنيسة للحصول على الغفران، والخوف من أن يكون قد مشى على شيء يشبه الصليب.
هـ) وسواس التأكد والتحقق:
و) وسواس العدّ:
فيظل يعد النقود مرات ليتأكد من عددها أكثر من مرة، على الرغم أنه يعرف عددها جيدا. ويمكن أن يعد متعلقاته الشخصية أكثر من مرة (مثل الأقلام) أو أجزاء من المنزل (عدد البلاط في الأرض).ز) وسواس الترتيب:
فلا يكل ولا يمل من ترتيب أغراضه بشكل متساوٍ ومتناسق ومتماثل، وينزعج جدا إذا تغير أي شيء مما حوله، ولا يقبل أي تغيير في النظام. ويمكن أن يشمل الترتيب أمورا تافهة مثل الشعيرات الموجودة في أطراف السجاد المفروش على الأرض.ح) الوسواس الجنسي:
ط) وسواس الإيذاء:
3- الفرق بين الوسواس القهري والوسواس الشيطاني
من خلال ما بيناه، فيمكن عمل مقارنة بين الوسواسين مبنية على المفاهيم الدينية المعروفة.
| وجه المقارنة | الوسواس القهري | الوسواس الشيطاني |
|---|---|---|
| نسبة حدوثه | 2-3 % من البشر يصابون بالمرض | كل البشر |
| مرحلة البداية | في أي مرحلة عمرية، خاصة في المراهقة. | منذ الولادة، وينشط أكثر مع البلوغ وبدء التكليف وما بعده |
| ملكية الأفكار | يشعر بأنها أفكار دخيلة على الشخص وليست منه. | ليست دخيلة، ويشعر أنها قريبة من النفس. |
| المشاعر المصاحبة | مشاعر رفض وقلق شديد. | مشاعر لذة عند ارتباط الوسوسة بالشهوة، ومشاعر قلق بسيط عند ارتباطها بالشبهة. |
| منطقية الفكرة | غير منطقية | أغلبها منطقية، ولها تفسير أو مبرر فكري. |
| تزيد عند | القلقين والموسوسين، والمترددين، وأصحاب الشخصيات الهشة، وقليلي الثقة بالنفس. | البعيدين عن الله وضعاف الإيمان، وأحيانًا تزيد عند أقوياء الإيمان، نظرًا لشدة حرب الشيطان لهم. |
| العلاج | الدواء والعلاجات السلوكية والمعرفية. | القرب من الله، ومخالفة أوامر الشيطان، وتزكية النفس الأمارة بالسوء. |
| نهايته | ينتهي مع نهاية العلاج. | ينتهي مع نهاية الحياة، فهو رحلة مجاهدة ما دام الإنسان حيًا. |
| الثقافة المجتمعية عنه | مستغرب، وغير مفهوم بشكل عام | مفهوم ومقبول وجوده اجتماعيا، كجزء من التحدي بين الإنسان والشيطان |
| وجود التفهم والدعم | قليل جدا | متوفر بشكل كبير. |
4 - الوسواس القهري في كلام علماء المسلمين
عرف علماء المسلمين الوسواس القهري وميزوه عن الشك العارض، فسماه المالكية الشك المُسْتَنْكِح، ومعنى المستنكِح: أنه الذي يغلب الإنسان، فلا يمكنه دفعه.
قال الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى: "واجبه –أي من واجبات الغسل– (دلك): أي إمرار عضو أو غيره على المغسول ...ويكفي فيه: غلبة الظن، على الصواب؛ فإنها كافية في الإيصال الواجب بالإجماع، ولا تشترط غلبة الظن في حق مستنكح الشك، لعجزه عنها، فيكفيه الشك فيه، ويجب عليه اللهو عنه، ولا دواء له إلا هذا" انتهى [10] .
وتكلم عنه ابن قدامة وابن الجوزي وابن القيم، وقدموا بعض الطرق المعرفية للتعامل معه، إلا أن كلامهم قد احتوى ذمًا للموسوسين، وهو الذم الذي قد يثقل على بعض مرضى الوسواس القهري عند قراءته اليوم، وبلا شك أن لهذا القدر من الذم صلة بعدم اتضاح الطبيعة الكاملة للمرض، والجزء غير الاختياري منه، وفي الوقت نفسه تبقى هناك فائدة لبعض هذا الذم فيما يتعلق بوجود مسؤولية لمريض الوسواس، فيما يتعلق بضرورة سلوكه طريق المعالجة من المرض.
نماذج من نصوص علماء المسلمين عن الوسواس القهري:
قال أبو محمد الجويني رحمه الله في كتابه "التبصرة" (ص/127-128):
"ومن هؤلاء الطبقة الذين يعتريهم الوسواس: مَن يركب رأسه ويجاوز حدود هذه الأصول، ولقد رأيت منهم من يكرر تحريمته لمكتوبته (يعني تكبيرة الإحرام لصلاته) حتى يشرف وقتها على الانقضاء، أو تفوته الجمعة مع الإمام أو ركعة منها... وإذا تبرز لقضاء حاجته تأهب خادمه لجمع الحجر والمدر (قطع الطين اليابس) فيعد منه شيئا كثيرا، وإذا تعاطى الماء أرف وأراق منه قلة أو قلالا".
وقد قال محقق الكتاب د. محمد السديس في مقدمة التحقيق (ص18): "ومما نلحظه من موضوع كتاب الإمام الجويني، ومن مقدمة الكتاب وخطبته، أن الاضطرابات النفسية من وسوسة ونحوها كثرت في هذه الأعصار جدا، حتى اضطر إمامنا أن يصنف فيها مصنفا مستقلا".
وذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "تلبيس إبليس" (ص 131 وما بعدها):
"من ذلك أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء وذلك يؤذي الكبد... ومنهم من يقوم فيمشي ويتنحنح ويرفع قدما ويحط أخرى، وعنده أنه يستنقي بهذا، وكلما زاد في هذا نزل البول" انتهى، بتصرف يسير.
يقصد من يعاني من وسواس أنه لم يُنْزل كل ما لديه من بول، فيمشي بخطوات كبيرة ليُنزل بقية البول.
الوسوسة في الوضوء والصلاة
"منهم من يُلَبَّس عليه في النية، فتراه يقول أرفع الحدث ثم يقول أستبيح الصلاة ثم يعيد فيقول أرفع الحدث. ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به فيقول من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال بعيد. ومنهم من يلبّس عليه بكثرة استعمال الماء، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة، أو فات أوله وهو الفضيلة، أو فاتته الجماعة. ومن ذلك تلبيسه عليهم في الثياب فترى أحدهم يغسل الثوب الطاهر مرارا، وربما لمسه مسلم فيغسله، ومنهم من يغسل ثيابه في دجلة، لا يرى غسلها في البيت يجزئ، ومنهم من يدليها في البئر".
توضيح: يعني أن المصاب بذلك لا يرى أن غسل الملابس في البيت كاف لطهارته، ولا بد أن يغسلها في النهر أو البئر.
"ومن الموسوسين من يقطر عليه قطرة ماء، فيغسل الثوب كله وربما تأخر لذلك عن صلاة الجماعة ومنهم من ترك الصلاة جماعة لأجل مطر يسير يخاف أن ينتضح عليه. ومن ذلك تلبيسه عليهم في نية الصلاة، فمنهم من يقول أصلي صلاة كذا ثم يعيد هذا ظنا منه أنه قد نقض النية، ومنهم من يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه. واعلم أن الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل وجهل بالشرع".
حكاية ابن عقيل والموسوس
من كتاب "ذم الموسوسين" لابن قدامة
"ثم إن طائفة من الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء الرسول عليه الصلاة والسلام، أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل وصلاته غير صحيحة. فهو أولا يغسل عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبر ويقرأ شيئا بلسانه تسمعه أذناه ويعلمه قلبه، (أي: ثم يشك هل فعل ذلك أم لا؟)، وكذلك يشككه في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع ذلك يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها، مكابرة منه لعيانه وجحدا ليقين نفسه، حتى تراه مترددا متحيرا... كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبولا من وسوسته. ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك (أي: التدليك). وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس. وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه. وربما شغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوّت عليه ركعة أو أكثر، وربما فوّت عليه الوقت".
إلى أن قال ابن قدامة: "وكثير من الموسوسين العالمين بالشريعة يعترفون بخطئهم، ويفتون بخلاف ما يفعلون، ويقولون لا تقتدوا بنا. وهذا عجب!"
من كتاب "مكائد الشياطين" لابن القيم
"ومن كيده (يعني الشيطان) الذي بلغ به من الجهال ما بلغ: الوسواس في أمر الطهارة والصلاة عند النية... حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله، لم يطهر ولم يرتفع حدثه. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل هو وعائشة رضي الله عنها من قصعة فيها أثر العجين، ولو رأى الموسوس من يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار وقال: ما يكفي هذا القدر لغُسل اثنين؟"
نصائح وإرشادات وقواعد في فهم وعلاج الوسواس
أولاً: القواعد الأساسية والمفاهيم العلاجية
- إن الخطرات والوساوس طروءها قهري لا حيلة للإنسان فيه، وهو غير مؤاخذ عليها.
- العلاج الدوائي النفسي لا يسبب التعود أو الإدمان، وهو آمن علمياً ومثبت الفعالية على مدار عقود.
- البرامج العلاجية تتنوع بين العلاج المعرفي السلوكي، والجدلي السلوكي، والقبول والالتزام.
- قاعدة المقاومة: امنع نفسك من تكرار الفعل فوراً وانشغل بأمر آخر، فالمقاومة تُضعف الوسواس والاستسلام يزيده.
- قاعدة اليقين: اليقين لا يزول بالشك؛ لذا فشكوك الموسوس لا قيمة لها.
ثانياً: وساوس العبادات (حلول عملية)
| العبادة | المقدار النبوي | المعادل العصري |
|---|---|---|
| الوضوء | مُدّ | حوالي 687 مللي لتر |
| الغسل | صاع | 2.75 لتر تقريباً |
سنة "النضح" المهجورة
إن رش الماء على الملابس أو الفرج بعد الوضوء يقطع الطريق على الوسواس، فكل بلل تشعر به يُنسب للنضح.النية وتكبيرة الإحرام
النية لا تحتاج إلى نطق، فمجرد تحركك للفعل هو نية. أما التكبير، فالموضوع فيه سعة في رفع اليدين واللفظ المعتاد.ثالثاً: وساوس العقيدة والطلاق
لا يحاسب الله العبد على ما وسوست به صدره ما لم يعمل أو يتكلم. ومن جاءته وساوس في الخالق فليقل "آمنت بالله" وليقرأ سورة الإخلاص وينتهِ.
حكم الطلاق: المبتلى بالوسواس لا يقع طلاقه حتى لو تلفظ به بلسانه ما لم يقصد قصدًا حقيقيًا بطمأنينة.

