🧠 ضجيج الأفكار: كيف نروض أصوات العقل المستمرة ونتجنب التشتت؟
عندما أردت أن أغفو بعد صلاة الفجر قبل ذهابي إلى العمل، أحاول تعويض النوم المهدر في الليلة السابقة، بدأت أستمع إلى أصوات عقلي تتعالى. كان عدد المشاركين في هذه الجلسة الحوارية يتزايد، حتى إن حلولي السابقة في إنهاء النقاش وتهدئة الأمور باءت بالفشل. وآه! كم تمنيت وقتها أن أفصل رأسي عن جسدي وأضربه بالحائط، علّ هؤلاء المتحدثين يتساقطون من رأسي.
لم يكفّ عقلي عن الحديث مذ كنت طفلةً بدأتْ إدراك الأمور، لكن التعامل مع تلك الحوارات كان أسهل، خصوصًا وقت النوم. إذ كنت آخذ كل «سالفة» و«أسفطها» داخل خزانة تحتفظ بالأحاديث والمتحدثين، إلى أن يُناقَش الأمر صباحًا، وتنجح الخطة! أما الآن فلا. لكني الليلة، وأنا أتقلب في سريري، فكّرت في التركيز على شيء محدد إلى أن تهدأ الأصوات كلها، ركزت على إغماضة عيني، ولم ألبث حتى غططتُ في النوم.
لا تداهمني تلك الأصوات العالية وقت النوم فقط، بل تحضر في أوقاتي جميعها؛ عند الاستيقاظ، وفي طريقي إلى العمل، وأنا منهمكة في عملي، حتى وقت شرحي الدرس للطالبات، رغم أنه الوقت الذي يحتِّم عليَّ التركيز على فكرة معيَّنة. لكن حركةً واحدةً أو صوتًا واحدًا، أو تلك الدقائق التي أنتظر فيها الطالبات ينهين الحل، تفسد كل شيء وتعيدني إلى نقطة الصفر.
التركيز كطوق نجاة
لعل فكرة التركيز على شيء محدد ساعدتني كثيرًا للحدّ منها في أوقات الانشغال؛ إذ قد تتزاحم الأفكار عليَّ وقت الصلاة، فأبدأ برفع صوت قراءتي أكثر، والتركيز على حركاتي. كما أن حفظ سور جديدة وقراءتها حسَّن كثيرًا من أدائي الصلوات، بل وزادني طمأنينةً أيضًا.
الفرق بين أصوات العقل والهلوسات السمعية
وحتى نفرِّق بين أصوات العقل والهلوسات السمعية، حيث قد يُشكِل علينا التفريق بينهما وندخل في دوامة المرض النفسي، فإن الأفكار ذات الصوت العالي أو «أصوات العقل» تأتي من داخلنا أو نسمعها بأصواتنا، أما «الهلوسات السمعية» فتأتي من شخص غريب أو من مصادر خارجية غير موجودة حقيقةً.
هل يسمع الناس جميعهم أصواتًا في رؤوسهم؟
دراسة الأصوات الداخلية: هل يتحدث الجميع مع أنفسهم؟
سابقًا، اعتقد العلماء أن لكل شخص حواراته الداخلية الخاصة، إلى أن جاء عالم النفس راسل هورلبورت وأجرى طريقةً بحثية تسمى «أخذ عينات من التجارب الوصفية» (DES). تعتمد هذه الطريقة على أن يقدم المشاركون تقارير عن تجاربهم الذهنية الداخلية في أوقات عشوائية خلال اليوم. حيث أُعطيَ المشاركون جهاز تنبيه صوتي لحمله في أثناء ممارستهم لأنشطتهم اليومية. وقد بُرمِج الجهاز لإطلاق صوت تنبيه عشوائي خلال اليوم، وما إن يصدر الصوت حتى يبدأ المشتركون بحصر ما يدور في أذهانهم ذلك الوقت.
أشارت تلك المراجعة إلى وجود اختلافات شائعة بين المشتركين، فقد حصل أشخاص على نسبة 100%، بمعنى أنهم كانوا يجرون حوارات داخلية في كل مرة أُخِذَت فيها العينات. وعلى العكس تمامًا من أشخاص لم يتحدثوا إلى أنفسهم داخليًّا على الإطلاق، وحصلوا على نسبة 0%.
أشكال التفكير الخمسة داخل الأذهان
لكن عدم الاستماع إلى أصوات العقل لا يعني توقف العقل عن التفكير، فهناك خمسة أشكال لطرق التفكير داخل الأذهان، فصَّلها راسل هورلبورت أيضًا:
• الشكل الأول: الحوار الداخلي، وهو صلب حديثنا اليوم.
• الشكل الثاني: الرؤية الداخلية، وهي طريقة تفكير أمارسها كثيرًا، وتعني تخيُّل صور وأماكن لسنا موجودين بها حاليًّا؛ كأن أتخيل أمواج البحر تداعب رجليّ، وواقعي أني في كنبة المجلس مع عائلتي.
• الشكل الثالث الأكثر غرابةً واستحالةً، كما وصفه بعض علماء النفس: التفكير غير الرمزي، بمعنى أن تفكر في ما تفكر به دون اللجوء إلى الكلمات والحوار الداخلي أو حتى تخيل الصور في ذهنك.
• الشكل الرابع: المشاعر، إذ ينصبُّ تفكيرك على ما تشعر به؛ كاستغراقك في السعادة بعد خبر مفرح.
• وأخيرًا الشكل الخامس: الوعي الحسي، حيث ينصبُّ كل ما يمر بك على أحاسيسك الخمسة، كأن تأكل الشيكولاتة وتستطعم لذّة مذاقها في لسانك.
عظمة الخالق في تعقيد العقل البشري
قد تتفاجأ -مثلي تمامًا- بأنك جربت هذه الطرق كلها (عدا التفكير غير الرمزي هههه)، وهو الأمر الذي يخبرنا بقدرتنا على تجربة أشكال التفكير كلها، ولكن ربما يطغى بعضها على الآخر.
عندما توسعت في بحثي، لم تهدأ الأصوات في عقلي ولم تتغير طريقة تفكيري، إنما زادني رأسي ألمًا. إذ أدركت الإعجاز في هذا الدماغ وعظمة خالقه سبحانه، حتى إن طرق التفكير اجتمعت في رأسي متعجبة، كل طريقة تساند أختها. فكم من فكرة سمعنا لها صوتًا، أو طيف صور مرَّ في أذهاننا، أو وعي حسي أنقذنا من مصير محتم، حتى لو كلَّفنا خسارة ليلة من النوم الهانئ!

